الآلوسي

129

تفسير الآلوسي

* ( لا يؤاخذكم ) * الآية على ما قبله لاختلافها خبراً وإنشاءاً ، وإن كانا متساركين في كون كل منهما بياناً لحكم الأيمان * ( واللَّهُ غَفُورٌ ) * حيث يؤاخذكم باللغو * ( حَليمٌ ) * حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد ؛ والجملة تذييل للجملتين السابقتين ، وفائدته الامتنان على المؤمنين وشمول الإحسان لهم والحليم من حلم بالضم يحلم إذا أمهل بتأخير العقاب ، وأصل الحلم الأناة ، وأما حلم الأديم - فبالكسر يحلم بالفتح - إذا فسد ، وأمّا حلم أي رأى في نومه - فبالفتح - ومصدر الأوّل - الحلم - بالكسر ومصدر الثاني - الحلم - بفتح اللام ومصدر الثالث - الحلم - بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها . * ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * * ( لِّلَّذينَ يُؤْلُونَ من نِّسَائهمْ ) * الإيلاء - كما قال الراغب - الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى : * ( لا يألونكم خبالاً ) * ( آل عمران : 118 ) أي باطلاً * ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم ) * ( النور : 22 ) وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة ، ف * ( يؤلون ) * أي يحلفون ، و * ( من نسائهم ) * على حذف المضاف ، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة ، وعدى القسم على الماجمعة ب * ( من ) * لتضمنه معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين ، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى ب ( من ) وعلى ، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته ب ( من ) وقيل : بها بمعنى على ، وقيل : بمعنى في ، وقيل : زائدة ، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً ، أي استقرّ لهم من نسائهم . * ( تَرَبُّصُ أَرْبَعَة أَشْهُر ) * وقرأ * ( ألوا من نسائهم ) * وفي مصحف أبيّ * ( للذين يقسمون ) * وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - والتربص - الانتظار والتوقف وأضيف إلى الظرف على الاتساع - وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به ، والمعنى على الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف - على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد - والجملة - على التقديرين - بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه . * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * ( البقرة : 225 ) فإن - الإيلاء - لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحنث من غير إثم ، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان المكتوبة حيث يتعين فيها - المؤاخذة - بهما أو بأحدهما عند الشافعي - والمؤاخذة - الأخروية عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فكأنه قيل : إلا الإيلاء فإنّ حكمه غير ما ذكر ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها ، وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى - إنّ للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر - بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه : * ( فَإن فَاءُو ) * أي رجعوا في المدّة * ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ ) * لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث ، أو بسبب الفيئة والكفارة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود * ( فإن فاءوا فيهنّ ) * . * ( وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * * ( وَإنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ ) * أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا واستمرّوا على الإيلاء * ( فَإنَّ اللَّهَ سَميعٌ ) * لإيلائهم الذي صار منهم طلاقاً بائناً بمضي العدة * ( عَليمٌ ) * بغرضهم من هذا الإيلاء فيجازيهم على وفق نياتهم ، وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية فإنهم قالوا : الإيلاء من المرأة أن يقول : والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر ، أو لا أقربك على الإطلاق ، ولا يكون فيما دون ذلك عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء ، خلافاً للظاهرية والنخعية وقتادة وحماد وابن أبي جماد وإسحق حيث يصير عندهم مولياً في قليل المدة وكثيرها ، وحكمه إن فاء إليها في المدّة بالوطء إن أمكن ، أو بالقول إن عجز عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز ، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة إيقاع الزوج